قطاع الادوية غير مضبوط والتهريب قائم على قدم وساق

نقيب الصيادلة: مهنتنا تحوّلت الى تجارة منذ العام 2002 
والادوية الغير مشروعة تُباع بالتواطؤ بين بعض الاطباء والصيدليات

كتبت الهام نجم

دخل الفساد الى حياة المواطن اللبناني بشكل كبير فلم يستثنِ شيئاً ولا قطاعاً الا وطاوله. وقد وصل بطبيعة الحال الى القطاع الصحي، مع ما يعني ذلك من خطورة،نظرا لأهمية هذا القطاع. وحتى الآن لم تتخذ الدولة موقفاً واضحاً وصريحاً لتهديد مفهومها للصحة وموقفها، ومن الصراع القائم في لبنان بين ثقافة الإخصائي المسؤول وثقافة التجارة الممسكة بزمام الامور في القطاع الصحي وتحديداً الصيدليات، وما يحدث فيها من انتهاكات.

هذه الخلاصة تحدث عنها نقيب الصيادلة في لبنان الدكتور زياد نصور الى "الانوار". و قال انه لا توجد سياسة صحية ودوائية جدية في لبنان بل هناك تجار في الصحة اذ لا تزال المعركة مستمرة بين ذهنية التجارة في الصحة وذهنية الإختصاص و المسؤوليةبين المصالح الشخصية والمصالح العامة، وبين الفوضى والإنضباط، وبالتالي بين الحق والباطل.

ويشرح نصور مشكلة القطاع الصيدلي في لبنان بالقول ان هناك صراعاً قائماً بين ثقافتين: الاولى ثقافة الأخصائي الصيدلي المسؤول عن صحة الناس خصوصاً ان الدواء يحتوي مواد خطرة قد تكون قاتلة اذا أُسيىء استخدامها. والثقافة الاخرى هي ثقافة التجارة بصحة الناس وهي التي تسيطر على الوضع حالياً.

أما المخالفات، فهي تتخذ اتجاهات عديدة. وبكل أسف يقول نصوران هذه المخالفات لا تتم بمعرفة الدولة فحسب، بل بالموافقة عليها، من خلال إلغائها المادة 80 من الدستور سنة 2002 مما أدى، وبحسب نصور، الى الغاء مهنة الصيدلة.

وفي التفاصيل، ان هذه المادة من القانون تحدد سعر الدواء الذي من المفترض ان يُعمل به في جميع الصيدليات ولكن إلغاء المادة 80 أتاح الفرصة للمضاربة غير المشروعة إذ يلجأ الصيدلي الى خفض سعر الدواء عن التسعيرة الأساسية التي وضعتها الدولة بهدف البيع الوفير، وبالتالي التسويق لدواء معين، الامر الذي قد يؤدي الى افلاس الصيدليات المحيطة التي تعمل بحسب القانون. صحيح ان المواطن قد يستفيد من خفض سعر الدواء ولكن هذا التصرف غير بريء من قبل اصحاب الصيدليات، لأن تسعير الدولة أمر لا يعني الصيدلي ولا يتم من قبل الصيادلة بل من قبل وزارة الصحة فقط، اذ يرسل الوكيل طلب تسجيل الدواء مرفقا باقتراح للسعر، فاما توافق عليه الوزارة او تعدله.

ولكن إلغاء هذه المادة سمح بالمضاربة بأسعار الادوية منذ العام 2002 بين الصيادلة الامر الذي فتح ثغرة بالقانون اللبناني.

وهنا، يعلِّق نصور بالقول ان المواطن اللبناني وهو المريض الضعيف في هذا المجال غير مسؤول عن التفكير في هذه الامور التنظيمية والحياتية والصحية. كل ما يعنيه هو الحصول على الدواء، وهو لا يعي عمق الموضوع وتشعباته.

اما دور الصيدلي فهو التأكد من عدم حدوث اي ردات فعل سلبية على المريض جراء إعطائه دواء ما، لانه الوحيد الذي يعرف التركيبة الكيميائية للدواء. الا ان ما يحدث اليوم هو إدخال مبدأ التجارة الى مهنة الصيدلي. فبدلا من الاهتمام بتركيبة الدواء الذي يصفه الطبيب للمريض، تحول اهتمام الصيدلي الى التجارة التي تُبنى على العرض والطلب والربح والخسارة الامر الذي لا يمكن تطبيقه في القطاع الصحي، بل من المستحيل تحويل الصيدلي الى تاجر لان التجارة هنا هي تجارة بأرواح الناس.

هذا النوع من الحضارية غير المشروعة يفتح الباب امام الترويج للدواء غير مبرر كأدوية الأعصاب والادوية المهدئة والمخدرة اذ يقوم الصيدلي بخفض أسعارها لترويجها أكثر مما يتيح فرصة الإدمان.

صحيح ان الطبيب هو الذي يصف الدواء للمريض لكن الصيدلي هو اهم لأنه المراقب الصحي للوصفة الطبية، اي انه عندما يقرأ الوصفة الطبية او"الروشتة" لا تنحصر مسؤوليته في إعطائه الدوائ فحسب، لانها تكون ممارسة غير سليمة لمهنة الصيدلي، بل من واجبه التأكد اذا ما كانت تركيبة الدواء تتلاءم وجسم المريض فاذا كان يشكو من داء السكري فهناك أدوية محظورة عليه لانها ترفع السكري. هذه هي العلاقة التي يجب ان تكون بين المريض والصيدلي. اما مسألة تسعير الدواء وخفضه فهي شؤون تجارية لا علاقة للصيدلي فيها، لا من قريب ولا من بعيد.

واكد نصور ان الشخص الوحيد الذي خفض سعر الدواء هو وزير الصحة محمد خليفة ولا احد سواه مما يعني انه ليس من واجبات الصيدلي اللعب بسعر الدواء لان هذا الامر ألغى مهنة الصيدلة وحوّلها الى تجارة.

 

الأدوية المهربة

مشاكل القطاع الصحي، وتحديداً الصيدلي، تكمن في دخول ادوية مزورة ومهربة موجودة في جميع أماكن تواجد الادوية اي في المستوصفات ومستودعات الادوية وبعض الصيدليات. ويقول نصور ان هذا الدواء المهرب قد يكون جيداً، ولكنه غير مسجل في الدولة اللبنانية.

اما طريقة بيعه، بحسب نصور، فتتم بالإتفاق بين الطبيب وإحدى الصيدليات. فاذا ما وصف الطبيب هذا الدواء المهّرب للمريض يقول له انه موجود فقط في صيدلية معينة وهكذا، الطبيب الدواء للمريض الذي لا حول له ولا قوة.  هذا الامر ستكون له نتائج وخيمة على الصيدليات التي قد تفلس او تضطر الى العمل بالاسلوب ذاته، لان ذلك الصيدلي يتحكم بالسعر اذ يمكنه رفع سعر هذا الدواء المهرب كما يشاء لانه غير خاضع للرقابة.

هنا، أصبح الصيدلي تاجراً بامتياز مما يتنافى تماماً مع آداب مزاولة مهنة الصيدلي. فالصيدلي يجب ان يكون تفكيره محصوراً باستفادة المريض من الدواء قبل اعطائه اياه. وليس ما سيجني جراء وصفه هذا الدواء، لانه الوحيد الذي يعرف خلفية الدواء الكيميائية ومدى الاستفادة او الضرر منه، اي انه لا يعمل لجني المال لان حياة الناس وصحتهم بين ايديه واي خطأ سيكون ثمنه حياة انسان.

 

خدمة الى المنازل!

ومن المخالفات الكبيرة والامور المشينة التي تمارس في مهنة الصيدلي هي خدمة المنازل من خلال ايصال الدواء الى البيوت وكأنه طعام او خضار اما ما شابه فتحولت الصيدلية الى سوبرماركت لبيع الادوية الامر الذي يتنافى تماماً و آداب المهنة وهو غير موجود في كل انحاء العالم الا في لبنان. ان حدوث مثل هذا النوع من المخالفات يسمح بالترويج للدواء المهرب والمزور بشكل اساسي وكذلك يساعد على بيع ادوية قد تكون قديمة في المستودعات لان المريض لا يرى الصيدلي من اين يعطيه الدواء. ثم ان الحوار الذي يجب ان يُقام بين المريض والصيدلي للتأكد من عدم حدوث اي ردة فعل سلبية عند المريض لا يتم.

هذا النوع من المخالفات هو من الاسوأ على الإطلاق وهو غير مقبول ولا يُسمح به في اي دولة في العالم.

 

شركات الادوية

يقول نصور ان هناك بعض شركات الادوية تعمل ايضا بروح تجارية بحتة لان همها الوحيد هو الوصول الى ما يسمى بال"  Target"، اي الهدف وبمعنى أوضح نسبة المبيع من دون ان يهتموا الى الطريقة التي يصلون بها الى النتيجة. لذلك لا بد من ايجاد قانون او ميثاق يحدد كيفية التسويق العلمي لا التجاري للدواء، بالتنسيق مع وزارة الصحة. فهناك بعض الشركات تدفع المندوبين لبيع الادوية بأي ثمن مما يدفعهم الى إتباع اي طريقة للوصول الى الهدف المطلوب.

 

إعلانات دوائية

تأخذ المخالفات في القطاع الصحي اتجاهات متعددة دخلت في اطار الدعاية والإعلان. وهنا يقصد نصور ادوية الاعشاب اذ ان غالبيتها يدخل في مجال الدجل واللعب على الناس الذين وبكل اسف يصدقون هذه الامور. فلا يجوز ان تصدر إعلانات للأدوية في الصحف والتلفزيونات تحتوي على معلومات كاذبة ومضللة للرأي العام وهي من المفترض ان تمر على وزارة الصحة قبل صدورها للتدقيق بصحة معلوماتها. هذا الامر سائب ليس فقط بالنسبة للأدوية بل ايضاً بالنسبة لأعشاب والمتممات الغذائية.

 

دور الدولة

كل هذه الإنتهاكات تحدث في ظل الغياب التام للدولة، لانه بكل أسف لا يوجد اي اولوية لصحة الانسان. فالدولة هي التي ألغت أهم مادة من الدستور التي تتحكم بسعر الدواء ساعدت بإدخال الفساد الى القطاع الصحي، والخطر يكمن في تفريغ مهنة الصيدلة من مضمونها وتحويل الضمير المهني الى ضمير تجاري بحت.

ويقول نصور انه منذ تسلمه نقابة الصيادلة في أواخر العام 2003، لم يترك مسؤولا الا وقصده لحل هذا الامر. وقد أطلع جميع المسؤولين اللبنانيين من رئيس الجمهورية الى سياسيين من نواب ووزراء الى مراجع دينية لتنبيههم الى الخطر الداهم في هذا الموضوع.

واكد نصور ان هذا الامر لا علاقة لوزارة الصحة بشأنه لانه يحتاج الى تعديل الدستور لإعادة المادة المذكورة سابقاً. وكان هناك خطوة ايجابية من النائب علي بزي سنة 2004 وكذلك الرئيس نبيه بري من خلال طرحه القرار المعجل ولكن تم الاعتراض من احد النواب، مع التحفظ على اسمه، فقال ان هذا القرار لم يمر على  لجنة الصحة النيابية  وان المادة بحاجة الى دراسة وتنسيق مع الجراءات التي يقوم بها وزير الصحة آنذاك بشأن خفض الدواء.

يعمل نصور اليوم لإعادة العمل بهذا الموضوع من خلال خطوات تصعيدية ستقوم بها النقابة مع بداية هذا العام مؤكد انه لن يقبل بعد اليوم بالإستهتار بهذا الموضوع لان صحة الناس ليست للتجارة مع توضيحه للامور التالية:

1-     الدواء ليس سلعة تجارية، بل مادة خطرة جداً تستعمل لشفاء ووقاية الإنسان من الامراض.

2-     الطبيب والصيدلي هما الاخصائيان الوحيدان المنيان في وصف الدواء، ومن غير القبول اطلاقاً ان يتحول هذا الشخص الى تاجر.

3-     ممنوع المتاجرة بصحة الناس، فالتجارة شريفة في اي قطاع كان ما عدا قطاع الصحة المبني على قواعد دقيقة في الممارسة والإنضباط.

لكن المسؤولين في لبنان لا يعيرون موضوع الصحة الاهمية اللازمة. ويقول نصور ان اهتمامات الدولة هي في النتخابات والصفقات والمواقف السياسية من دون الإلتفات الى صحة الناس.

اما العمل في الصيدليات اليوم فيستند الى اخلاقيات بعض الصيادلة، ولكن هذه الاخلاقيات قد لا تدوم اكثر من ذلك في ظل غياب القانون عن مهنة الصيدلة. فلا بد من إعادة القانون وتليه المراقبة الفعالة على المخالفين وملاحقتهم لضبط العمل في القطاع الصحي.

تسعى النقابة الى توعية الناس والمسؤولين وارشادهم الى الطريق الصحيح، ولكن بكل أسف حتى اليوم لا احد يعير الامر اهمية، وكأن الصحة ليست من اولويات الدولة. لذلك لا بد من اتخاذ قرار واضح من الصراع القائم بين ثقافة التجارة وثقافة الأخصائي المسؤول عن الصحة والتأكيد على ان الصيدلي هو المسؤول المباشر عن هذه الادوية والمواد مع عدم التسليم بالعقلية التجارية المسيطرة على كافة المؤسسات والقطاعات الصحية والخدماتية. فالإنسان المريض ليس حقل تجارب.

ويدعو نصور الدولة لإيجاج حل جذري ونهائي للمشكلة المستحكمة في قطاعي الصحة والصيدلة بدل سياسة التجارة المعتمدة في لبنان.